زكريا القزويني

276

آثار البلاد واخبار العباد

المهديّة مدينة بافريقية بقرب القيروان ، اختطّها المهدي المتغلّب على تلك البلاد في سنة ثلاثمائة . قيل : إنّه كان يرتاد موضعا يبني فيه مدينة حصينة ، خوفا من خارجي يخرج عليه ، حتى ظفر بهذا الموضع . وكانت جزيرة متّصلة بالبرّ كهيئة كفّ متّصلة بزند ، فوجد فيها راهبا في مغارة فسأله عن اسم الموضع فقال : هذه تسمّى جزيرة الخلفاء . فأعجبه هذا الاسم فبنى بها بناء وجعلها دار مملكة ، وحصّنها بسور عال وأبواب حديد ، وبنى بها قصرا عاليا . فلمّا فرغ من إحكامها قال : الآن آمنت على الفاطميات ! يعني بناته . وحكي انّه لمّا فرغ من البناء أمر راميا أن يرمي سهما إلى جهة المغرب ، فرمى فانتهى إلى موضع المصلّى فقال : إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار ! يعني أبا يزيد الخارجي لأنّه يركب حمارا . فقالوا : ان الأمر كان كما قال ، وان أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف ساعة ، ثمّ رجع ولم يظفر ، ثمّ أمر بعمارة مدينة أخرى إلى جانب المهدية وجعل بين المدينتين طول ميدان ، وأفردها بسور وأبواب وسمّاها زويلة ، وأسكن أرباب الصناعات والتجارات فيها ، وأمر أن تكون أموالهم بالمهدية وأهاليهم بزويلة . قال : إن أرادوني بكيد بزويلة فأموالهم عندي بالمهدية ، وإن أرادوني بالمهدية خافوا على أهاليهم بزويلة ، فإني آمن منهم ليلا ونهارا ! وشرب أهلها من الصهاريج ، ولهم ثلاثمائة وستّون صهريجا على عدّة أيّام السنة ، يكفيهم كلّ يوم صهريج إلى تمام السنة ومجيء مطر العام المقبل . ومرساها منقورة في حجر صلد تسع مائتي مركب ، وعلى طرف المرسى برجان بينهما سلسلة حديد إذا أريد إدخال سفينة أرسل الحرّاس أحد طرفي السلسلة لتدخل الخارجة ثمّ يمدّها . ثمّ تناقصت حال ملوكها مع حصانة الموضع حتى استولى عليها الفرنج سنة